محمد راغب الطباخ الحلبي

132

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

من فضلاء حلب ، وكان سنّي المذهب وأبو محمد الخفاجي شيعيّ ، وكان بينهما مودة ، ومكابر وبنكة من غوغاء الشيعة ، فيحتمل أن أبا العلاء لما دخل حلب وهو صبي اتفق له بخزانة الكتب ما ذكره ابن منقذ . وقد ذكر بعض المصنفين أن أبا العلاء رحل إلى دار العلم بطرابلس للنظر في كتبها ، واشتبه عليه ذلك بدار العلم ببغداد ، ولم يكن بطرابلس دار علم في أيام أبي العلاء ، وإنما جدد دار العلم بها القاضي جلال الملك أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن عمار في سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة ، وكان أبو العلاء قد مات قبل الملك في سنة تسع وأربعين وأربعمائة ، ووقف ابن عمار بها من تصانيف أبي العلاء الصاهل والشاحج ، والسجع السلطاني ، والفصول والغايات ، والسادن ، وإقليد الغايات ، ورسالة الإغريض . قرأت في كتاب تتمة اليتمية لأبي منصور الثعالبي ، وذكر أبا العلاء المعري فقال : وكان حدثني أبو الحسن الدلفي المصيّصي الشاعر ، وهو ممن لقيته قديما ، وحديثا في مدة ثلاثين سنة قال : لقيت بمعرة النعمان عجبا من العجب ، رأيت أعمى شاعرا ظريفا يلعب بالشطرنج والنرد ، ويدخل كل فن من الجد والهزل ويكنى أبا العلاء ، وسمعته يقول : أنا أحمد اللّه على العمى كما يحمده غيري على البصر ، وقد صنع لي وأحسن بي إذ كفاني رؤية الثقلاء والبغضاء . وهذا إن صح عن أبي العلاء فقد كان ذلك في حال حداثته ، فإن أبا العلاء رحمه اللّه كان بعيدا من اللعب والهزل . أخبرنا قاضي المعرة شهاب الدين أبو المعالي أحمد بن مدرك بن سليمان قال : سمعت جماعة من أهلنا يقولون : كان أبو العلاء متوقد الخاطر على غاية من الذكاء من صغره ، وتحدث الناس بذلك وهو إذ ذاك صبي صغير يلعب مع الصبيان ، فكان الناس يأتون إليه ليشاهدوا منه ذلك ، فخرج جماعة من أهل حلب إلى ناحية معرة النعمان وقصدوا أن يشاهدوا أبا العلاء وينظروا ما يحكى عنه من الفطنة والذكاء ، فوصلوا إلى المعرة وسألوا عنه فقيل لهم : هو يلعب مع الصبيان ، فجاؤوا إليه وسلموا عليه فرد عليهم السلام ، فقيل له : إن هؤلاء جماعة من أكابر حلب جاؤوا لينظروك ويمتحنوك ، فقال لهم : هل لكم في المقافاة بالشعر ؟ فقالوا : نعم ، فجعل كل واحد منهم ينشد بيتا وهو ينشده على قافية حتى فرغ محفوظهم بأجمعهم وقهرهم ، فقال لهم : أعجزتم أن يعمل كل واحد منكم بيتا